أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
المقدمة 4
قهوة الإنشاء
ومن المحتمل أنه أتيحت لابن حجّة فرصة للتعرف بالأمير شيخ المحمودي خلال حصار حماة عام 812 ه ( 1410 م ) « 1 » ، ومن المفترض أنه انتقل بعد فترة مثل ابن البارزي إلى دمشق وأمسى من مقربي الأمير شيخ . فالتحق ابن حجّة بمعية السلطان الملك المؤيد شيخ ، وما لبث أن صار منشئا في ديوان الإنشاء الشريف بالقاهرة ، كما يشهد به تقليد محمد ابن البارزي بصحابة دواوين الإنشاء المؤرخ في 13 شوال 815 ه ( 17 / 1 / 1413 م ) « 2 » من إنشائه . وليس من قبيل الصدفة أن ابن حجّة بدأ كتابه بهذا التقليد ، بل كان هذا متعمّدا ولأسباب شخصية ، إذ قال السخاوي « 3 » بأن الذي لفت انتباه السلطان إلى ابن حجّة هو محمد ابن البارزي ، فأمسى أحد منشئي الديوان ، فربما كان من قصد ابن حجّة أن يومئ بهذه الصورة إلى أنه مدين لابن البارزي بوظيفته التي بدأ بممارستها مع شفيعه هذا في وقت واحد تقريبا . ولا شك في أنه كان مؤهّلا لوظيفة المنشئ ، إذ كان شاعرا ذا معرفة جيدة بآثار الشعراء الأسلاف « 4 » ، وصاحب خبرة تامّة في خدمة ديوان الإنشاء . وقد حصل عليها في أيامه الحموية . كما أنه استوعب دساتير كل من ابن فضل اللّه العمري والشهاب محمود ابن فهد الموصلي وابن ناظر الجيش وابن نباتة ، ولا ينفي أنه درس أيضا رسائل القاضي الفاضل وابن العميد « 5 » وقد أشار اليهما في كتابه قهوة الإنشاء أكثر من مرة ،
--> ( 1 ) في شعبان وذي الحجة عام 812 ه ( ديسمبر 1409 وأبريل 1410 م ) - « السلوك » للمقريزي ج 4 ص 117 ، 119 ، 126 - 129 وذكر السخاوي أن المقريزي التقى بابن حجّة للمرة الأولى في صفر 812 ه ( 15 / 6 - 14 / 7 / 1409 م ) في دمشق ، وهو ما يدل على أن ابن حجّة سافر إلى دمشق أكثر من مرة . وقد غادر الأمير شيخ دمشق آنئذ ليخلي المدينة لسلطان فرج المتقدم في ( « السلوك » للمقريزي ج 4 ص 95 وما بعدها ) . ( 2 ) وأنشأ محمد ابن البازري - وهو منشئ في الديوان الذي كان صاحبه فتح الدين فتح اللّه - عهد السلطان المؤيد شيخ ( راجع نصه في « صبح الأعشى » للقلقشندي ج 10 ص 120 وما بعدها ) . ( 3 ) « الضوء اللامع » للسخاوي ج 11 ص 54 . ( 4 ) يبدو أنه كان يعتبر ابن نباتة دائما أستاذا له ، لأنه لم يكتف بذكر اسمه كاملا فقط ، بل أشار إليه بالصفة « النباتي » وبإشارة إلى آثاره مستعملا الصفات المشتقة من عناوينها مثل « المطوق » ( إشارة إلى سجع المطوق ) ، و « المنثور » ( إشارة إلى « زهر المنثور » ، مثلا في مقدمته لما أشار إليه برياض المنثور ) واستعمل إيماءات مماثلة مشيرا إلى آثار أئمة فن الإنشاء والمراسلة . ( 5 ) نذكر هنا أسماء الذين ذكرهم ابن حجّة في منشآته فقط ، وتشهد معارضاته بالمعرفة الجيدة بمصنفات كبار المنشئين .